الرقة تقدّم درسها: من الحرية إلى الإبداع في بناء الدولة

الأثنين 27 مايو 2013


لأن الحرية لا تعني إسقاط الاستبداد فحسب، ولأنّها لا تعني شيئا إن لم ترفق بتحمل مسؤولية هذه الحرية ونتائج المطالبة بها التي تتعدى تحمّل نتائجها في مواجهة النظام المستبد والقتل والسجن والاعتقال وتدمير البنية التحتية، إلى محاولة البناء ووضع أسس جديدة لبناء وطن حلم به السوريون طويلا، فهل يمكن البناء حقا وسط كل هذا الدمار؟

السوريون أبناء المستحيل بحق، خاضوا غمار الأهوال الشاقة و لجج الاستبداد وسجونه، على أمل لقاء “الحرية” مصممين ( ذكورا وإناثا) على أن يكونوا فرسانا وفارسات يلقن بتحمل المسؤولية، فما إن حققوا الشق الأول من حريتهم المتمثل بطرد الاستبداد من بعض مدنهم، حتى بدأت معركة مع الذات تستهدف بناء الدولة التي دمرت والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات، لنكون أمام حكاية جديدة عن سوريين كسروا عنفوان المستحيل مصممين على أن لا شيء يعصى على الإنسان حين يمتلك الإرادة محوّرين شعار انتفاضة الطلاب الفرنسية: “كن واقعيا واطلب المستحيل”، ليصبح “كن واقعيا واصنع المستحيل”، وهل هناك أصعب من مهمة البناء بعد الهدم؟ فما بالك بمحاولة القيام بمهام مؤسسات الدولة ككل في مدينة انسحبت منها قوات النظام لتترك فراغا هائلا!

فما هي الحكاية؟

بعد انسحاب الجيش السوري النظامي من مدينة الرقة في آذار (2013) حدث فراغ هائل في المدينة خاصة في الشأن الخدمي، الأمر الذي دفع حوالي خمس وثلاثين ناشطا بقوا في المدينة للتحاور فيما بينهم والتفكير بكيفية ملء هذا الفراغ، الذي انعكس سلبا على المدينة في الأيام الأولى، فامتلأت الشوارع بالقمامة ومخلفات النظام من حواجز ودمار.

هذه النقاشات والحوارات التي كانت تجري في سهرات شباب الرقة، أنتجت فكرة تشكيل تجمع يحمل اسم “تجمع شباب الرقة الحر”

إذ يقول الناشط والطبيب الجراح أيمن الخلف لموقع “سيريا أنتولد” :” بعد أسبوع من التحرير كنا نناقش كيفية حل المشاكل الخدمية الناجمة عن انسحاب النظام وتوقف عمل مؤسساته، فقررنا أن نطلق التجمع ونعطيه طابع مؤسسة مدنية بدون تبعية لأي جهة سياسية أو دينية أو عسكرية”.

ركز التجمّع عمله في البداية على العمل الخدمي محاولا القيام بالأعمال التي كانت تقوم بها بلدية المحافظة، فأول عمل قاموا به هو تنظيف الشوارع و إزالة القمامة من الشوارع وإبعادها عن مركز المدينة، إضافة إلى إزالة حواجز النظام من البلدة. وعن الهدف الذي دفعهم لذلك، يقول الناشط أيمن: ” منذ بداية الثورة ونحن نريد التحرر من هذا النظام، والآن قد تحقق الحلم وبالتالي علينا أن نكون على مستوى هذا الحلم، وأن نحوّل المدينة فعلا لأيقونة حرية”.

نزولا عند هذه الرؤية أطلق التجمّع فعالية “شوارعنا تتنفس حرّية” التي يقول عنها أيمن: ” بعد تنظيف الشوارع رأينا أنه يجب أن نصبغ هذه الشوارع برائحة وروح الحرية، لكي يشعر الناس بأننا تحررنا فعلا، حيث تم التركيز على نشر علم الثورة ( الاستقلال) في كل المرافق العامة والشوارع، إضافة إلى كتابة العبارات والشعارات التي كنا نقولها في التظاهرات على جدران المدينة، فكتبنا عدد منها مثل:” ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة” و ” هنا سوريا بألف ممدوة من الأزل وإلى الأبد”. الحملة مستمرة حتى الآن، حيث يعمل الشباب على تنظيف المدينة حيّا بعد حي، فكلما انتهوا من أحدها انتقلوا إلى الآخر مصمّمين على تلوين مدينتهم بألوان ورسوم وغرافيتي الحرية.

كذلك أطلق النشطاء حملة “نظافة المشفى الوطني” التي استمرت لمدة يومين، حيث قاموا بتنظيف المشفى الرئيسي في المدينة من آثار القصف والدمار وتنظيف المشفى الذي أصبح وضعه مزريا بعد انسحاب شركة النظافة وتوقفها عن العمل، إضافة إلى محاولة مساعدة الموظفين المتبقين بتنظيم العمل وشؤون المرضى ومساعدتهم ما أمكن، حيث أن التجمّع يضم بين كوادره أطباء وممرضين، إضافة إلى حملة ” لن أترك مدرستي” التي هدفت إلى تنظيف المدارس وإعادة تأهيلها لتكون صالحة للدراسة.

انشغال النشطاء بأحوال مدينتهم لم ينسهم أوضاع اللاجئين السوريين الذين نزحوا لمدينتهم من حمص والدير وحلب وغيرها، إذ عمدوا إلى المساعدة في تنظيم أمور اللاجئين ومساعدتهم على الصمود، ففي المدينة يوجد مطبخ إغاثة يقدم حوالي 500 وجبة يوميا للنازحين، إلا أن المطبخ لا يقدم الخبز مع الوجبة لضيق حال اليد، الأمر الذي دفع شباب التجمع لإطلاق حملة “رغيفنا” التي توزع إسبوعيا خبزا بقيمة خمسة آلاف ليرة ( تزيد أو تنقص) لهذه العائلات مع تلك الوجبات، يجمعها الناشطون من مصروفهم الشخصي، وأحيانا يتلقون مساعدات قليلة في هذا الشأن. وعمد التجمع إلى وضع كل خمس أرغفة خبز في كيس صغير مرفق ببرشورو مكتوب عليه: ” رغيفي رغيفك” وحديث للرسول الكريم ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأهله ما يحب لنفسه”.

ولأن الحرية تعني ولادة جديدة آمن شباب التجمع بضرورة الاهتمام بأطفال سوريا لأنهم مستقبل الحرية الحقيقي، ولأن ” كل الحركات المدنية مقصرة بحق الطفولة، وجدنا أن الطفل له حق علينا ولهذا رأينا أن نملأ هذا الفراغ بأن نبني الطفولة ونقدم الحق لهذا الطفل” فأطلقنا “حملة حق الطفل بالحياة” التي تقدم بشكل أسبوعي عمل مسرحي للأطفال بالتعاون مع فرقة “سبونج بوب”، حيث يتم اختيار حكايات تعزز المروءة والتعاون وروح العمل لتعليم الأطفال على القيم الحقيقية التي تعزز الانتماء للوطن الجديد.

وبعد نهاية كلّ عرض مسرحي يقدّم التجمّع برنامج مسابقات ثقافية مع توزيع هدايا للأطفال، بهدف حث الأطفال على التفكير والاهتمام بالثقافة، إضافة إلى تكريم أبناء الشهداء والمعتقلين الذين لم ينسهم التجمع أيضا إذ أطلق حملة “أحرار خلف القضبان” التي بدأت في السابع من نيسان (2013) مطالبين بإبقاء قضية المعتقلين على صدارة المطالب السورية، عبر اعتصامات تطالب بالوقوف إلى جانب معتقلي الرأي.

كل هذا العمل والنشاط لم يمنعهم من التفاعل مع كل ما يحدث في سوريا، إذ لا يكاد حدث يخلو من تفاعل معهم: إبداعاً و تضامناً ومشاركةً، فهاهم يرسلون عبر الفرات “شموع الحرية” من جسر الرشيد إلى الجسر المعلق الذي دمّره القصف مؤخرا “علّها تصل مياه دير الزور وهذا أقل عزاء لجسر ثورة الفرات “الجسر المعلق”، مقدمين من الإبداع والتضامن ما يفيض عن مهمة بناء الدولة إلى مهمة ترميم إنسانية العالم الذي تجاهل مأساتهم طيلة سنتين، وكأنهم يقولون: “ما حك جلدك إلا ظفرك”، فكما كانت المطالبة بالحرية قرار سوري، فإن المهمة لم تزل سورية بامتياز.

هذا ما يقوله شباب الرقة وما تسطّره نشاطاتهم الساعية بجهود فردية للقيام بمهمات مؤسسة دولة، وهو ما تعكسه أحلامهم التي قال عنها الناشط والطبيب الشاب “أيمن” أنها ” كبيرة جدا، ولكن أقول: رح نبقى موجودين، لأن محافظة الرقة هي عاصمة التحرير وبدنا نبقى نشتغل، حتى تكون لائقة بهاد الاسم بغض النظر عن المسارات السياسية والعسكرية”.

نشر هذا المقال بناء على تعاون مع مشروع سوريا:حكاية مانحكت

مصادر

عدل